05 , يونيو 2026

القطيف اليوم

تعلّم ما تحب فالمهارة لا تأتي معلبة 

قبل أن نتحدث عن المهارات والهوايات

(التي عندنا)؟، من المهم أن ندرك أن مستقبل أبنائنا وبناتنا لا يتوقف على الشهادة الأكاديمية وحدها، رغم أهميتها، بل يتشكل أيضاً من المهارات التي يكتسبونها، والهوايات التي يمارسونها، والخبرات التي يراكمونها خلال سنوات حياتهم ، فالعالم اليوم يقدّر الإنسان القادر على التعلم المستمر، والتكيف، والإبداع، وتحويل معارفه إلى أعمال وإنجازات ملموسة.

   ⁃    ممكن ترفيه ولكن ؟!
ومن هنا تبرز أهمية الهوايات ، فهي ليست مجرد وسيلة لتمضية الوقت أو الترفيه ، بل فرصة لاكتشاف الميول والقدرات الكامنة التي حباها الله لنا ، فكثير من الناس لم يعرفوا مواهبهم الحقيقية إلا بعد أن جربوا هواية أو مارسوا نشاطاً معيناً بدافع الفضول أو المتعة ، لذلك فإن تشجيع الأبناء على التجربة والاستكشاف والتعلم يمنحهم فرصة أوسع لمعرفة أنفسهم، وبناء شخصياتهم، واكتشاف المجالات التي قد تشكل جزءً مهماً من مستقبلهم الأكاديمي أو المهني أو الثقافي أو الإبداعي.

   ⁃    أنت ماتعرف ، ولكن تقدر .
مو شرط تكون تعرف تخط، أو تصور، أو تكتب، أو تنحت، أو تطبخ، أو تخيط، أو ترسم، أو تسوق دراجة نارية، أو غيرها من المهارات ، المهم أن تختار المهارة التي تشعر بأنها تناسبك، وتحبها، وترغب في تعلمها ولو من باب الفضول في البداية ، والأهم من ذلك أن تمتلك الرغبة والتحدي والإصرار ، استشر وابحث ثم اختار الجهة المناسبة التي تساعدك على تطوير مهارتك ، معهد، أو مركز، أو معلم ، أو مدرب قدير ، ففي البدايات ستعاني من شيء من التعب والألم والإحباط، وهذا شعور طبيعي يمر به كل من يتعلم شيئاً جديداً ! لا تستسلم ، استمر، وخربط، وأخطئ، وجرب، وأعد المحاولة من جديد ، ستصرف وقتاً وجهداً ومالاً، لكن مع الاستمرار ستكتشف أنك أصبحت أفضل مما كنت عليه في أول أيام ممارستك للهواية ، وستجد أن كل محاولة لم تكتمل أو تنجح كانت خطوة تقربك من النجاح.

   ⁃    بيتنا مثال للتحفيز .
وفي الحقيقة، للبيئة المحيطة أثر كبير في تشكيل اهتماماتنا وصناعة ميولنا ، فكثير من المهارات لا تبدأ من قاعة تدريب أو فصل دراسي، بل من كلمة طيبة ودعاء  ، أو موقف عابر أو شخص مؤثر يزرع فينا بذرة الفضول وحب التعلم ، أتذكر أن أخي الأكبر المهندس عبدالرزاق  - رحمه الله - كان يطلب مني وأنا صغير ، إحضار مجلة محددة من مكتبة الساحل ، وكانت تعتبر مسافة تمر عبر عدة صوابيط وزرانيق القلعة من السدرة للخان لشارع الملك عبدالعزيز ، لحي المدارس  ، ولكي أصل إلى العدد الصح و المطلوب كنت مضطراً لتعلم وحفظ ومعرفة التواريخ وأسماء الشهور الميلادية وترتيبها ، وخلال عودتي من المكتبة كنت أتصفح المجلة، ليس بدافع الفضول فقط، بل لأنني كنت أتوقع أن يسألني عن بعض ما تحتويه المجلة ، وكنت أعلم أن الإجابة بـ«ما أدري» لن تكون مقنعة ومرضية له ، لذلك كنت أحرص على القراءة والاطلاع ، ومن تلك المواقف البسيطة بدأت علاقتي بالقراءة تتشكل، وتعلمت كيف أبحث وأقرأ وأستكشف ، ومن التجارب الأخرى كان يعطيني أحياناً كتاباً أو مجلة ويطلب مني تصفحه، لا قراءته بالكامل ، وبعد عودته من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن كان يسألني أحياناً عن بعض ما ورد فيه، وفي كثير من الأحيان لا يسألني شيئاً، وكأنه يثق بأنني سأقرأ من أجل نفسي قبل أي شيء آخر ، تلك الثقة كانت درساً بحد ذاتها، ورسالة غير مباشرة بأن القراءة ليست اختباراً، بل وسيلة للارتقاء والتعلم وتوسيع الأفق.

   ⁃    رغبة في المعرفة .
هذه الممارسات الاجتماعية البسيطة كانت تفتح أبواباً لعوالم جديدة، وتمنح فرصة لاكتشاف أفكار وتجارب ومعارف لم أكن لأصل إليها لولا ذلك التشجيع الحازم الهادئ ، ومن خلالها أدركت أن الدافع الحقيقي للتعلم لا يأتي من الخوف أو الإلزام، بل من الرغبة الصادقة في التطور والنمو واكتشاف المجهول.

   ⁃    لاتنتظر رأي الآخر .
ومن المبكر و المهم جداً  أن رأي من حولك آخر ما تفكر فيه، واجعل عدد الإعجابات والتعليقات آخر همك ، المهم أن تمارس ما تحب، وأن تستمتع برحلة التعلم نفسها ، ولا تجعل تقييم الآخرين هو المعيار الوحيد لنجاحك أو فشلك ، 
همسة في أذنك ! اجعل لممارستك وتعلمك قيمة أعمق من مجرد التسلية أو قضاء الوقت أوالاستعراض  ، حاول أن تحمل بين طيات ما تتعلمه رسالة جميلة لك ولمن حولك، ولأبنائنا وبناتنا من بعدنا.

   ⁃    ليش ماتكون عالم .
استغلوا ذكاءكم، وقوتكم، والوقت الذي بين أيديكم في تعلم مهارات تساعدكم في المستقبل ، لا تهملوا تعلم اللغات، والبرامج المرتبطة بتخصصاتكم واهتماماتكم ، اقرأوا كثيراً، وابحثوا أكثر، فالمعرفة لا تتوقف عند حدود ما نتلقاه في (لمعلم) ، وأروقة المدارس والجامعات ، ومع كثرة القراءة والاطلاع لا تكتفوا بجمع المعلومات، بل تعلموا التحليل والربط والمقارنة ، فالوصول إلى رأي ناضج يحتاج إلى وقت وبحث وتأمل ودراسة ، وعندما تتراكم الخبرات والمعارف ستصلون إلى مرحلة تستطيعون فيها تكوين آراء مبنية على فهم عميق، لا مجرد انطباع و ترديد لما يقوله الآخرون.

   ⁃    طول بالك ! 
خلي بالك ! اجعل نَفَسَك طويلاً في رحلة التعلّم، فلا تستسلم عند أول عقبة، ولا تستعجل النتائج ، فالإتقان يحتاج إلى وقت وصبر وممارسة متواصلة ، استمع لوالديك ولمعلمك ومدربك ومشرفك، فهم يرون ما قد لا تراه في نفسك، ويوجهونك نحو الطريق الصحيح ويختصرون عليك الكثير من الجهد والتجربة ، واعلم أنك لن تنجو من النقد، فستسمع أحياناً نقداً قاسياً أو سلبياً، وقد تجد من يقلل من قيمة عملك أو يشكك في قدراتك ، المهم ألا تجعل ذلك سبباً للتراجع، بل استمع لما فيه فائدة، وخذ منه ما يساعدك على الصعود و التطور، واجعل منهم دافعاً وحافزاً للمضي قدماً، فالنقد، مهما كان مؤلماً في بعض الأحيان ومزعجاً في أحيان أخرى، قد يكون أحد الأسباب التي تصنع منك شخصاً أكثر خبرة ونضجاً وتمكناً.

   ⁃    المقارنة المؤلمة . 
ومن الجوانب المهمة التي لابد من الانتباه له كمربين ووالدين ومعلمين ومشرفين ومدربين ، في تنمية المهارات وتطوير الهوايات، أن نتجنب المقارنة المباشرة من هم في رعايتنا ، سواء مع أنفسنا أو مع من نقوم بتوجيههم ورعايتهم ، فالمقارنة المستمرة بالأقران والأصدقاء والزملاء ليست من الأساليب التربوية الناجحة، وقد تترك آثاراً نفسية سلبية مثل الإحباط أو الشعور بالنقص، وربما تقود إلى مشاعر غير محمودة كالحسد أو الكراهية ،  والبديل الأجمل والأكثر فاعلية هو تقديم القدوة والمثال الملهم ، فالقدوة لا تدفع الإنسان إلى منافسة الآخرين بقدر ما تدفعه إلى تطوير ذاته والسعي للوصول إلى مستويات أفضل من المعرفة والإتقان. كما أنها تفتح آفاق الطموح وتغرس الثقة بالنفس، وتجعل رحلة التعلم أكثر متعة وهدوءاً ، فبدلاً من أن نقول: “انظر إلى زميلك كيف تفوق عليك”، يمكن أن نقول: “انظر إلى هذه الشخصية المتميزة، كيف اجتهدت وتعلمت حتى وصلت إلى ما وصلت إليه” ، وهنا يتحول الدافع من المقارنة السلبية إلى الإلهام الإيجابي، ومن الشعور بالضغط إلى الرغبة الحقيقية في النمو والتطور

   ⁃    فرص ماتتفوت .
أبناؤنا وبناتنا اليوم يملكون من الفرص ما لم يكن متاحاً للأجيال السابقة، والعالم يفتح أمامهم أبواباً واسعة للتعلم والتجربة والتطور ، لذلك فإن الاستثمار الحقيقي ليس فقط في الحصول على شهادة، بل في بناء شخصية متعلمة، ومهارية، وقادرة على التفكير والإبداع والتأثير ، ابدأ اليوم بما تحب، ولو بخطوة صغيرة ، مارس، وجرب، وخرب ، وتعلم، واصبر على الطريق ، فكل مهارة عظيمة بدأت بمحاولة متواضعة، وكل نجاح كبير كان في يوم من الأيام مجرد فضول .


error: المحتوي محمي